17 فبراير, 2012

"الفلاش موب" في نصرة الثورة السورية

كان السوريون خارج سوريا جزءا لا يتجزأ من الثورة السورية ولكن من موقعهم الذي يتخذونه وفي بعض الأحيان اجبروا على اتخاذه. وقد برز ذلك منذ الأشهر الأولى من عمر الثورة. فبمجرد أن ولدت في سوريا وجب عليك أن تحتمل لظى الاضطهاد الأسدي على مدار أربعين عاما، ووجب عليك أيضا أن تكون هشيما في محرقة النرجسية الأسدية حتى تغذي لهيبها، حتى لو دفعت لأجل ذلك حياتك ثمنا في الاعدام العشوائي الذي يطال رقاب الناس هناك، أو عمرك في سجون زجت أصحاب الرأي وعديميه في لعبة نرد تراجيدية، أو منفى طالك وطال أهلك ونسلك من بعدك.

حلّت الثورة على الشعوب العربية فنفخت فيها الروح من جديد، واستفاق سوريو المنفى لدعم الثوار بطريقة غير مسبوقة. بعد أن عهدت عنهم الخوف، فكانوا يتحدثون معك في كل شيء الا في شأن بلدهم المكلوم. قرر الجيل الجديد الذي أثبت أنه لا يزال موصولا ببلده التي لم يرها بعد، قرر أن يقدم أفضل ما لديه، وواصل الليل بالنهار على مدار عام في ابتكار أفكار جديدة يعلون بها راية الثورة في أماكن تواجدهم، ويلفتون انتباه الناس اليها.

كان الفلاشموب هو أحد الأفكار التي استرعت الاهتمام ولاقت رواجا حسنا. حيث يقوم بها مجموعة من الشباب والشابات بالتعبير عن ثورتهم من خلال وضع مشاهد تمثيلية متوقفة لبضع دقائق يلخصون بها قصة بلدهم الثائر. أول ما تم تطبيق الفكرة كان في تورنتو الكندية في تشرين الثاني العام الماضي، في مجمع تجاري مزدحم بالمشترين، بالاضافة الى ذلك يحمل المشاركون في الوقفة الاعلام السورية، وبعضا من الأوراق التي يلخصون بها عدد الضحايا والأسرى نتيجة عنف النظام. وقد تم انتشار هذه المشاهد لدرجة عمت فيها معظم العواصم الأوروبية. وان ما يميز هذه الفكرة عن سواها أنها أحسنت مخاطبة الغرب، متماهية مع ثقافتهم، دون ارغامهم على الوقوع في بؤرة صخب بلا رغبة منهم أو استئذانهم على ذلك.
...تابع القراءة

13 فبراير, 2012

داني عبد الدايم



لم يعد هناك داعيا لأن يعود الوالدان ما يقرب الأربعة عشر قرنا الى الوراء حتى يختاروا اسما من أسماء من رفعوا راية التوحيد والحرية في عهد رسول الله، ويمنحوه لمولودهم الجديد، فمن صدقوا وعاهدوا لم يعودوا حكرا على الماضي، فها هي النماذج السورية تتزاحم في طابور الشهادة، ولم يعد هناك متسع.. ترى هل سننجب بعددهم؟ حتى يحملوا أسماء جميع من قضوا ويحملوا أوطانهم كما فعلوها هم؟ هل تجربة الثورة السورية، وملاحمها البطولية قابلة لأن تتكرر؟

كان شابا عاديا على حد تعبير والديه، تشغله آخر تقليعات الموضة من ملابس وتسريحات شعر، طالبا جامعيا، يعيش قوت يومه. سـأله المذيع متى قررت المشاركة في المظاهرات، يجيب: فور ما سمعت عن تلك التي ستخرج من مسجد خالد بن الوليد. يبدو أن اهتمامات "داني عبد الدايم" آنذاك لم تعصب بصيرته وتمنعه عن رؤية الاستعباد الذي يعيشه السوريون كل يوم على مدار السنين، وفطرة الحرية التي ولد عليها لم تتعرض للتشوه ولم تدعه يفكر مرتين قبل أن يرد.

بعد أن أصيب داني في ظهره على اثر طلقتين أثناء محاولته تصوير المظاهرات، وخروجه الى بريطانيا هو وعائلته في أيلول العام الماضي لاستكمال العلاج، وتهافتت عليه كاميرات الاعلاميين، ظل يعتقد الجميع أن ما صرّح به كان من نسج الخيال، حينما سُئل هل تود العودة الى سوريا، فأجاب على الفور: نعم بالتأكيد، لن أترك أصدقائي وحدهم هناك. هل تحدثك نفسك بالشهادة؟ يجيب نعم، ربنا يرزقنا اياها، أصدقائي ليسوا بأفضل مني.

كان جلّ اعتقادي أنه في غمرة حماس سرعان ما سيخلّه الفتور. الا أن حماسته وطلاقته تشبه حماسة الثورة السورية، فيمضي عليها العام ولا يفتّ من عضدها شيء، لا عناد النظام، ولا قسوته، ولا قسوة الطقس، صيفا كان أو شتاء، وهيهات لهذا النظام أن يفك حرفا من حروف نفوس هؤلاء الأحرار. فنافى هذا الشاب الاعتقاد السائد، وذهب بقده وقديده الى هناك، الى بؤرة القصف في هذه الأيام، حمص، في بابا عمرو، الخالدية، الانشاءات...

كنت في الحقيقة أتابع تسجيلات الجبل الآخر المقابل، خالد أبو صلاح، بعد أن أصيب قبل حوالي أسبوع، في دافع قوي مني للاطمئنان على صحته، حتى لا ينال هذا النظام السوداوي من شجاعة وعنفوان هذا الجبل، فظهر داني عبد الدايم لأتفاجأ أنه قد فعلها حقا، حمل روحه على أكفه ثانية، وذهب ليحرر وطنه أو يستشهد دون ذلك.
...تابع القراءة

13 نوفمبر, 2011

الجامعة العربية أمام مسؤولية تاريخية


منذ نعومة أظفاري وذاكرتي توحي لي بأني كنت أمر من جانب شيء من أحاديث السياسة التي تؤكد على احتراف الظلم في بقعة من بقاع أرض الشام دون غيرها. كانوا يخبروننا أنه من يجرؤ هناك على أن يطأ ساحة "الكلام والرأي" لن تسمع له بعدها خبرا، ولا حتى خبر موته، كانت الناس هناك تختفي، ولا يعلم ذويهم هل هم مختفون الى الأبد، أم أنهم يحتلون قبوا من أقبية الأسد.

أشرقت شمس الربيع العربي، وبدأت الأزهار تكسو البلاد، لكنها علت هوينا هوينا، وكأن أهل البلاد لم يريدوا أن تفوتهم صورة تلتقطها لهم قناة الجزيرة وهم في أبهى حلتهم. لم يكن أحد يصدق أن الشجاعة سترجع الى أهلها يوما، الى أهل الشام، الى أولئك الذين ذاقوا كل صنوف العذابات، حتى صرنا نكذب بعضها لخرافيتها، لكن يبدو أن ذلك النظام أراد لنفسه سوء الخاتمة، وكشف هوايته المفضلة على جموع العالم صوتا وصورة.

سبعة أشهر تمر على سوريا والقتل هناك يومي، بمعدل ثلاثين شهيدا، سبعة أشهر وأخبار الموت تستبق كل خبر آخر في حصاد العاشرة. ظل السوريون طيلة الوقت يسألون "وينكم يا عرب" فيذكرونني بالفلسطينيين، وباستغاثاتهم العبثية. على الرغم من ذلك فان المتابع العادي لا يفقد الأمل، في دنيا الثورات والأمل، ويظل يعتقد خيرا في تحرك الجامعة العربية الأخير، الذي الى الآن منح هذا القاتل ما يقرب الشهر، ولو أن الشهر في عمر السنين قليل، الا أنه في عمر الثورة السورية ثلاثون شهيدا في ثلاثين يوما. 

أول ما قررت الجامعة التخلي عن لعب دور النعامة، كانت قد أمهلت النظام السوري خمسة عشر يوما، بعد زيارة بدت حازمة، بخروج وزير الخارجية القطري تحت عبارة "بدون اللف والدوران"، وتزامن ذلك برسائل عالمية، مرة من أردوغان تركيا ومرة أخرى من بان كي مون الأمم المتحدة. رضي السوريون الثوار على مضض بمهلة العربية، باعتبارها الأفق الأخير، وعلى أمل، ونحن في دنيا الثورات والأمل، أن هؤلاء قد قرروا أن يشرفوا الدماء السورية التي سفكت حتى اللحظة، ويهدونها وردة من ورود الحرية بعد طول انتظار.

انتهت المهلة والحال هو الحال، فأطلت علينا الجامعة بمفاجأة "المبادرة"، كان أول ما نصت عليه هو اخراج الجيش من الأحياء المتظاهرة، وأخراج المعتقلين، الأمر الذي جعلنا نظن لوهلة أن النظام السوري قد حانت نهايته بمطلبين مستحيلين، وسرعان ما اتضح أن هذا النظام الكارثي أدهى مما نتخيل، بقبوله المبادرة فيرمي الكرة في الحال الى ملعب المعارضة. 
المضحك في الأمر أن المعارضة بدأت تتخانق على حوار النظام من عدمه، متجاوزين شرطين أساسيين من شروط المبادرة اللذين لم ينفذا بعد، فتتراشق الاتهامات، وتبدو لي الجامعة، التي تتهرب من اتخاذ قرار جدي في حق النظام، قد استغلت نزاع المعارضة هي بدورها، وصارت تدعي أن المشكلة تكمن هنا، متغافلة عن أن النظام السوري قد ضرب بنود مبادرتها عرض الحائط، وكلما توجه اليهم مذيع حصادي بالسؤال عن عدم تجاوب النظام، يردون بأنهم غير قادرين على اتخاذ موقف والمعارضة فيها أطراف كل يشد الى جانبه..!!

لن أناقش مدى اندساس "هيئة التنسيق الوطنية" من عدمه، والتي تجاهلت الدماء النازفة في شوارع الوطن، فدخلوا فجأة على الخط ليعضوا بالنواجذ على المبادرة العربية، تخوفا من سيناريوهات أسوأ، في غباء سياسي لم أعهده في حياتي قط، فلا يعقل أن يظل الأستاذ هيثم المناع يرسل ببرقيات "طمأنة" الى النظام لتمسكه ب5 بالمائة من المبادرة حتى لو لم يلتزموا بتنفيذ حرف واحد منها، ولا أفهم على اثر ذلك مالذي يمنعه وشلة التنسيق الوطني من كتم ولعهم بالمبادرة ولو مؤقتا، ولو من باب المناورة، ولو من باب التهديد!!!

المضحك المبكي في الموضوع أن أحدا من قادتنا فيما يظهر عليه شكلها من خلال جامعة الدول العربية، لا يتعامل مع الظروف بشكلها الجديد، بحلتها الربيعية، فلا يزال الانسان لديهم ثمنه بخس، والاستخفاف بدماء الشهداء على ما هو عليه، لدرجة أن الاجتماع "الطارىء" الذي سيعقد اليوم السبت، جاء بعد أكثر من أسبوع من عدم استجابة "الأسد" ونظامه للمبادرة فعليا. وقد عذرهم أحد محللي مركز الدراسات في الأهرام من مصر، بأنه كان أسبوع مليئا بانشغالات العيد والعيدية، وسمح لنفسه أن يقول ذلك بكل جدية، فالمسلم يلتمس لأخيه سبعين عذرا، فما بالكم يا أهلنا بسوريا بانشغالات العيد!!!!
رغم كل ذلك فاننا نجدد أملنا، فنحن في دنيا الأمل والثورات، ونرجو أولا من الله عز وجل أن يصبر أهلنا في سوريا، ونرجو ثانيا من الجامعة العربية في رسالة مفتوحة أن تتحمل ولو مرة واحدة في حياتها، مسؤولية دم امريء يسفك دمه في بلادنا العربية، فلا يصبح كالمستجير بالرمضاء من النار. وبالتالي نطلب منها أن تجمد لنا عضوية هذا النظام الذي لا يشرف في الحقيقة رجلا عربيا واحدا.


التدوينة ارتبطت بيوم السبت بتاريخ 12-11-11، تتحدث عن التوقعات من الاجتماع الطاريء وما سيتمخض عنه من جامعة الدول العربية، ونشر في موقع الجزيرة توك تحت عنوان "أزمة سوريا والجامعة العربية"
...تابع القراءة

09 نوفمبر, 2011

من أجل اعلام أكثر انسانية


الشهيد غياث مطر عن الثورة السوريةا

من يقلب صفحات الفيسبوك بصورة يومية سيعهد النقاشات الرئيسية التي تدور هناك على اثر كل طارئ في العالم العربي في الآونة الآخيرة. وفي كل مرة تجد فيها الآراء "تتصارع" من كل حدب وصوب كما حدث في قضايا أمثال "تقييم صفقة الأسرى" و"مقتل معمر القذافي"، ينادي على اثرها الكثير من الشباب بأن على "حكماء الأمة" أن يصوبوا البوصلة، ظانين منهم أن هذا سيكون أفضل بكثير من "تدافع" الآراء التي على اثرها تحرق بوصلة المتابع العادي للأحداث، فيقرر بأن ينأى بنفسه في نهاية المطاف عن "الشوشرة"  ويعلن أخيرا عن موقفه الأكثر سلامة للخروج من المآزق التي تحتم عليه التفكير اليومي ويتخذ "اللامبالاة" موقفا.


بعد العثور على القذافي ينزف جريحا ومن ثم أخذ أحد الثوار على عاتقه " الانتقام" أو "القصاص"  لأكثر من خمسين ألف ليبي، دون أن يمهله حتى محاكمة عادلة، معجلا بأمره لقاضي السماء، أبدى جزء كبير من الشباب اعتراضهم على الاستعجال بقتله وأن الروح "الثأرية" قد غلبت، فيما نحن بصدد بناء ليبيا العدل المنزوعة من روح الثأر الغالب على أمرها التسامح. فيما أتساءل أنا وكثيرون آخرون مالذي جعل هؤلاء ينسون أعداد الشهداء الذين رَحِّلوا عن دنيانا قصرا في تهافت غفير على مدار أشهر مقابل أن يبقى ذلك الرجل في سدة الحكم. ماذا عن آلاف من اليتامى والأرامل والثكالى الذين سيظلون يجترون آلامهم ويدفعون ثمنها لعشرات السنوات القادمة.

واني لا أرى بهذا الحدث أقل تطابقا في عنصر اعلامي مهم سأخلص اليه لاحقا، يدعو الى اعلام أكثر انسانية منه "عدديا" أو "احصائيا". مع حدث متزامن بعض الشيء آلا هو "صفقة شاليط". فلا أخفينكم تعاطفي ولو المرفوض على اثر متابعتي للاعلام العبري لشخص شاليط، الذي بدا في غالب الأحيان امرئا وديعا، هزالته لا تسمع لنا باسترجاع زيّه العسكري الذي ذهب ليقاتل به الفلسطينيين في غزة الى صورته الأخيرة التي ظهر عليها. ووقع في الفخ اعلامنا العربي ومنها الجزيرة باطلاق اسمه الشخصي، على صفقة تبادل الأسرى، في خسارة أخرى يسجلها الصهاينة لصالحهم في معركة "الاصطلاح والتسميات". قد يجعل هذا البعض يدّعي أنه لا يعقل أن نسمي الصفقة باسم ألف أسير، ولكن هذا لا يعني أن نسميها باسمه، مما يجعل شخصه، وقميصه في بعض الأحيان، يتصدّر ذاكرتنا عند استجلابه منها. ولا أكشف ما تناقله الكثيرون من على الفيسبوك برغبتهم الجامحة بأنه لو يسلم، أو أن يكون حقا قد فعلها! في محاولة للمصالحة بين كونه "عدو" وكونه "انسان" برز شخصه في التغطية كونه واحدا مقابل آلاف تسابق واياهم على كعكة تعاطفنا الفطري.



أنتقل من هاتين الصورتين الى سوريا، التي لا يزال لون الدم يغلب على تغطية الأخبار لها، ولا يزال بعدها "العددي" أو "الاحصائي" غالبا على شاشات المرناة، الأمر الذي لا يسمح لنا بعد أن ننسى أو نتعاطف بصورة أو بأخرى مع "القاتل" كما حدث في ليبيا وفي الصفقة، هذا "القاتل" بممثله الأبرز "بشار الأسد" والذي عادة ما أتجنب أن أطلق عليه اسمه الفصيح هذا، فيخيّم عليّ تساؤل خفي يعيش في المستقبل الذي يؤكد فكرة انتهائه، هل سيجد هذا الرجل من يدافع عنه من "الانسانيين" كما حصل مع "القذافي" أو أن "أناقته" تجعل بعضا منا يدعي أنه لا يليق به شتى أنواع التعذيب التي أذاقها لأبناء الشعب السوري. وهنا ستكون  اجابتي في حقيقة الأمر مركبة، فلا زالت برأيي التغطية الاخبارية المعهودة في الاستديوهات تتعامل بمنطق "الأعداد" و"الأرقام" بعيدا عن القصة الانسانية لكل شخص وشخص لهم حكاية تعذيب منفردة عن حكاية زميله الآخر في الزنزانة المجاورة، بينما ما تجاوزه بذكاء الثوار السوريون من على صفحات الفيسبوك - وهو ما فشل فيه فيسبوك الليبيين الذي ربما هو بحكم ظروفهم، وما لم يفشل به الاعلام العبري بأن ظل ينقل تفاصيل حياة شاليط لحظة بلحظة، بعد الافراج عنه، مما جعلني في نهاية المطاف أتوقف عن متابعتها.- هي بأن تمكنوا من تجاوز مسألة "الاعداد" الغفيرة من القتلى، وافلحوا بأن يسترسلوا في حكايات كثير من شبابهم الثائر الذي يلقى حتفه يوميا، من خلال افتتاح صفحات لكل شهيد قضى أو آخر اعتقل ما زال ينتظر دون أن يبدل تبديلا. لا أخفينكم يا سادة وبكل صراحة أني لا أحفظ اسم شهيد ليبي واحد، ولا اسم أسير فلسطيني واحد الا فيما ندر، بينما ها أنا أحفظ أسماء شهداء سوريا عن ظهر قلب بصورهم وبابتساماتهم المشعة، والتي برأيي ستكون كفيلة بما يكفي حتى لا ينسى أحد لبشار أو يغفر، أو أن يُستنهض مجددا جنود أخفياء آخرون من "الانسانيين".



ان على اعلامنا أن يتعامل بصورة أكثر احتراما واجلالا لأناس دفعوا ثمن حياتهم لكي يحيوا ونحيى، معتبرا من تغطية الشباب السوريين (كتجربة ناجحة برأيي)، أو من تغطية الاعلام الصهيوني. الذي لا زال يقص على أبنائه حكايا ضحايا "الكارثة" بكافة تفصيلاتها من بعد مرور عقود من الزمن عليها، كما أني لا زلت أذكر يوم حرائق الكرمل في العام  الماضي والتي راح ضحيتها عشرات "السجّانين" الصهاينة، سرعان ما افتتحت وسائل الاعلام الصهيونية ملفات شخصية تعلق صورهم، وحكاياهم وحكايا عائلاتهم، ولم يصدّهم عن ذلك أعدادهم الكبيرة. وذلك لربما لدفع المتابعين من الناس التعامل بطريقة أكثر عدلا مع "الضحية" و"الجلاد"، فلا نضع دماء أكثر من خمسين ألف شهيد لا نعلم فيهم اسم واحد في كفة، ونضع قصة مجرم ودمه النازف من على وجنتيه في كفة، فقط لأننا رأينا تسجيلا يبث بعده "الآدمي" الخائف المذعور، فيتهافت علينا "الانسانيون" شفقة ورأفة!
...تابع القراءة

28 أكتوبر, 2011

"علم النفس والدين" لكارل جوستاف يونج


يعتبر كارل جوستاف يونج من علماء النفس البارزين في القرن العشرين على شاكلة سيغموند فرويد، وهو سويسري الجنسية، ألماني اللغة، وهو ابن لعائلة بروتستانتية، وأبوه كان تحديدا قِسّا.
يدّعي يونج في مقابل ما ادّعاه فرويد في قوله أن "اللاوعي" هو قائم على رغبات الانسان الجنسية والعدوانية المؤجلة أو المتجاهَلَة بفعل "الأنا" الذي يحاول مراعاة الواقع والمتطلبات المجتمعية أي أنه في الحقيقة قائم بفعل "الأنا"، في حين يقول يونج أن "اللاوعي" هو مكوّن قائم بحد ذاته كما هو "الوعي" تماما لدى الانسان ويشكلان سوية "الذات الانسانية". هذا اللاوعي هو ما يفوق قدرة الانسان على تصوّره لكنّه قائم وفعّال، ويقوم هذا "اللاوعي" الانساني، الجمعي والموروث (فهو في الحقيقة في نظر يونج أمر يجتمع به كافة البشر) على مجابهته أو سد حاجته من خلال الدين بمركبيه: المعتقد الديني، أو ما أترجم به أنا "الدوغما" بالمسلّمات، وكذلك الطقوس الدينية الممارسة.
طبعا بغض النظر عن ماهيّة الدين كائنا ما كان، فهو يتحدث عن وظيفة عامة يشغلها بمركبيه المذكورين أعلاه، ولكنه هو اعتمد في مشاهداته بالطبع على مرضى نفسيين مسيحيين، من خلال تحليل أحلامهم، وايجاد "المشترك" و"العنصر المشترك" في هذه الأحلام التي تحاول سد الفراغ لديهم من ما يستحوذ عليهم من قلق وهم كانوا في حقيقة الأمر من "الملحدين" أو الذين لا يمارسون طقوسا دينية معينة. وقد سمّى هذه العناصر بال"آرخيتيبات".
وقد جاء ذلك على اثر موجة "الكفر بالله" في المجتمع الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية. هذا بالاضافة الى "المعتقد البروتستاني" الذي هو في حقيقة الأمر "مرن" للغاية، وتخلّى عن طقوس كثيرة قد وضعها رجال الدين المسيحي في السابق، فلم يسد بذلك حاجة معتقديه النفسية، ولا متطلبات "اللاوعي".
تطرق يونج في محاضراته، وهي ثلاث: "استقلالية اللاوعي"، "الدوغما والرموز الطبيعية" و"التاريخ والتفسير النفسي للرمز الطبيعي"، وهي ترد في الكتاب من خلال تفصيلات تفسيراته للأحلام التي صادفها من خلال معالجيه، وكذلك دلائل اعتقاده بوجود "اللاوعي" لكني في الحقيقة لم أفهم الكثير منها لأنها تعتمد على مركبات واصطلاحات كثيرة مأخوذة عن الدين المسيحي.

تنتهي محاضرات يونج بالقول:
"لا يضير في الحقيقة ما يعتقده العالم تجاه الدين، من يمتلك الاعتقاد الديني، فقد امتلك خيرا كثيرا، والذي هو بمثابة أصل عظيم للحياة، للمعنى وللجمال، والذي يضفي نورا للعالم والبشرية".
...تابع القراءة