06 نوفمبر, 2009

عوالم انعاش.. عذرا لأني حمقاء تحب الكتابة(2)




ترددت كثيرا قبل أن أكمل حكاية انعاش مع عدة أيام يطلق عليها الناس بالعادة "فرحة العمر" ، كنت قد فكرت في ارجائها لسببين ، أولهما هو القراء الذين قد يعتبرون منها قضية شخصية بالأساس بسبب التقارب الزمني بين تدويناتي هذه والأحداث، وثانيهما هو الشحنة العاطفية التي قد ترافق طرقعتي للوحة المفاتيح أثناء الكتابة وكنت أفضل أن أبتعد قدر الامكان عما حدث حتى لسنوات فلربما نظرتي قد تتسع لأمور وتجارب كثيرة أخرى مختلفة أو متشابهة قد تساهم في صقل موقف أحكم من الذي أنا عليه الآن.. ولكني بكل الأحوال لا زلت أجد نفسي ملزمة تجاه بعض الأخطاء المتجذرة وليست العابرة لكي أسمح لنفسي بغض الطرف عنها، وأيضا المتكررة فلا أعتقد أبدا أنها ظرف شخصي يخصني وحسب وانما هي تقع ربما يوميا في بيوتنا كافة، ومن هنا أستمد مسؤوليتي للكتابة!

تنويهين آخرين تفكرت فيهما كثيرا أحب أن أعبر عنهما ها هنا ، أحدهما سمة التسامح التي اعتبرها الناس فضيلة طوال سني عمرهم، أصر يوما بعد يوم اعتبارها من أكبر رذائل الأمة التي جعلت الأمراض الاجتماعية تتفشى فتشرعن أعمالنا المشينة. آخرهما التكالب على مرضاة الناس مبتذلين بعض الأحاديث النبوية الشريفة عن حسن نية وجهل أو خبث ، فيقبل لنفسه الرجل أن ينام قرير العين وقد سعى طيلة يومه في استراق طبطبات الناس له وحبهم له، الى درجة يخسر فيها نفسه فلا يعيشن في حين من أحيان حياته وقد اتخذ لنفسه موقفا واضحا يشتري به رضى بعض الناس ويبيع به رضى آخرين، وربما موقفا هو الأثمن يكسب به مرضاة الله مهما لحقها من التبعات.

من الجدير بالذكر أيضا هو أني وعلى اثر نقاشاتي المتواصلة مع المطالع، نقاشات أنصح الجميع اتخاذها لنفسه وسيلة فتاكة لادراك الذات، لا بد وأن أعترف أن حكاية انعاش احتوت عوامل النهاية السعيدة – وهو زواجي من الانسان الذي لم ير رسولنا الكريم لنا الا النكاح- بفضل آدميين خطائين ، آمنوا بي وبقدراتي ، أرجح أني لو اضطررت التعامل مع آخرين فانها كانت ستغلق بنهاية تعيسة يلفح بها وشاح الظلم شخصين اثنين على الأقل. وقد ذكرت ما يكفي من الأسباب التي ستدعني أسترجع فيها اللحظات الحمقاء دون غيرها، وأقلبها بين كفي أحرفي من على ظهر مدونتي العزيزة.. والجميع مدعوون للمتابعة.

وفي هذه اللحظات بالذات استرجعت اليوم الذي نشرت فيه مقالي الأول في موقع بانت تحت عنوان "جمعية اقرأ تحت المجهر"، ظننت يومها أن الأمر سهل جدا بعد أن كتبته ولم يكلفني نشره سوى ارسال بريدال واحد الى الموقع وفي اليوم التالي مباشرة احتل صفحة من صفحات "مقالات"، لينقلها بسرعة البرق شاب الى " منتديات اقرأ" ، وبدأت التعليقات تتراشق دون رادع من روادع العيب والحرام.. صار الجميع يتصل بي مصدوما وأنا وقتها لم أعرف السبب الى أن لفت انتباهي اهتمام الجميع بالتعليقات ، ذهبت لأراجعها فاذا بها صلفة دنيئة لا ترتقي ولو بذرة الى مستوى المقال.. فكانت براءتي يومها وخبرتي الضحلة في الكتابة علنا أن أودت بي حتما الى البكاء، بكاء واتصال فوري بوالدي أشكوه أمري، فيجيبني ببرود وحيادية بعد أن كان قد اطلع عليه، "هذه ضريبة الكتابة، من يكتب عليه أن يكون أهلا للنتيجة". لم يشجعني البتة آنذاك الا أنني اكتشفت لاحقا أنه كان يطبع ما أكتب ويعرضه على المعلمين في المدرسة! ليس عبثا كانت تلك القصص البريئة التي كتبت في الصف الثالث وطلبت من معلمي أن يمنحني فرصة سردها على أترابي، ويعودني يوميا بالسؤال أبي كان.." ما كتبت لنا اليوم؟"

27 أكتوبر, 2009

معرض فرانكفورت الدولي للكتاب


أكبر تظاهرة دولية تحتفي بالكتاب والثقافة
http://aljazeeratalk.net/node/5086
في فرانكفورت العاصمة الاقتصادية لألمانيا وأم المعارض الكبرى  في أوروبا والعالم منذ حوالي خمسة قرون، كان الملتقى الأول لي منذ تواجدي في ألمانيا مع المعرض الدولي للكتاب، وضيف الشرف للدورة ال61 كانت الصين وأدبها.
كنت أظن أن حجمه الضخم -والبالغ في الحقيقة 172 ألف متر مربع- ليس سوى مبالغة من أحدهم يريد أن يصف هول ما يرى ، الى أن جاء اليوم وفتحت لي الأبواب مشرعة عن طوابق ومصاعد لا تنتهى عند انتهاء قدرة البصر. تلفحك ألوان الأكشاك الكثيرة والطريقة التي تتخذ كل واحدة من دور النشر في التعبير عن نفسها وتسويق ذاتها، ولا تملك سوى الانحناء لأول حدث في حياتك يعنى بالكتاب بهذا القدر، فيعرض من على بقعة واحدة ما يقارب النصف مليون عنوان كتاب!
بلاد العرب أوطاني..
كانت الجولة الأولى بالطبع تهرول صوب الأكشاك العربية لتلق نظرة سريعة حول محتوى الكتب الصادرة فتجدها تتراوح بين الأدب من الروايات والخواطر، وأخرى متثاقلة بنعرتها الاقليمية فتخصص كتبا كاملة لقبيلة كذا أو شيخ فلان، وأخرى كثيرة تهتم بالتراث والموروث من المؤلفات الى أن شقت بونا شاسعا بينها وبين الواقع، وتلحظ اهمالا ملحوظا للعلوم والكتب الفكرية ذات المحتوى المعلوماتي.
ولهذا فان تميز احدى دور النشر عن الأخريات منوط بجهودها المبذولة  في ترجمة الكتب التي تحاكي واقعنا المعاصر، ليلمع نجم مشروع "كلمة" عن "أبوظبي للثقافة والتراث" التي تعمل على ترجمة الكتب المختلفة، وأيضا "المجلس الوطني للثقافة  والفنون الآداب" الكويتية بسلسلة عالم المعرفة الصادرة شهريا وتكون في غالبها مترجمة وعناوينها مثيرة للاهتمام.
من الجدير بالذكر التنويه الى انتشار ملحوظ للكتب التي تعالج الارهاب فيوحى اليك أن هي الا كذبة ألبسنا اياها الاخرون ليخلص نفسه منها فصدقناها وصرنا نكتب فيها ونؤلف المؤلفات وكأنه موضوع أغدق علينا بحضوره حتى نجد ما بامكاننا التحدث والتنظير فيه دون نهاية!
موطن المعرض – ألمانيا
ولأن ألمانيا هي موطن المعرض فان لكتبها وكل صادراتها الثقافية تجد طابقين كاملين وعالم مليء بالألوان الساحرة والألعاب الثقافية والعروضات المهتمة بالأطفال خاصة دون غيرهم.. بالاضافة الى الكتب الالكترونية  التي وفق التقارير صارت مع كل عام تشغل مساحة اضافية عن السنوات الماضية بالرغم من  الاستبعاد الواضح للقائمين على المعرض لأن يحتل من ساحة الكتاب التقليدي!
هذا بالاضافة الى الندوات المنتشرة في كل زوايا المعرض، تجري فيها دار النشر مقابلة مع أحد مؤلفيها  بالاضافة الى المترجم ، ويجلس من أمامهم الجمهور للاستماع، وطابق آخر مخصص للصحفيين يجرون فيه مقابلاتهم المنفردة مع الكتاب والناشرين من جميع أنحاء العالم، وكافة الفعاليات الصغيرة مثل قيام أحد المترجمين بالترجمة الحية أمام الجمهور.
الصين ضيف الشرف
كانت الصين لهذا العام هي ضيف الشرف التي يخصص لها مساحة أكبر من غيرها تقوم فيها باستعراض الأدب الصيني ، وأيضا بعضا من المناحي الثقافية والعروض المسرحية في أخيام تأخذ لها مكانا بين القاعات المحيطة بالمكان، هذا بالاضافة الى تواجد "التبت" الذين عبروا عن مطالبتهم بالاستقلال عن الصين.
 لم يكن التبت المعارضين الوحيدين فقد تواجد هناك مجموعة ممن يطالبون بتحرير ايران على اثر الاحداث الاخيرة وتواجدوا بشكل خاص أمام دور النشر الايرانية في قاعات المعرض.

12 أكتوبر, 2009

عوالم انعاش.. بين واقع مهزوم وارادة تنوي الانتصارعبثا(1)





كانت ثقتي بنفسي منذ صغري معززة، لأني حظيت في البيت بدعم قوي وفي المدرسة مباشرة كان انعكاسا آخرا مكملا لما عشته في البيت وخصوصا في الابتدائية من قبل المعلمين، الأمر الذي جعلني أجتاز مرحلة (الاجتهاد – الخيبة ) وفق اريكسون بسلام، مما دفعني وبقوة للانطلاق صوب العلم وبحوره بنهم مستقبلا. وعند دخولي الثانوية بدا لي وكأني استنفذت كل طاقاتي فلجأت الى مخزوني منذ سنين سبقت فوقف الى جانبي واستطعت أيضا اجتياز المرحلة هذه بصورة مقبولة جدا من الناحية الرقمية أقصد تحصيليا. في الثانوية عشت مراهقة حيوية وفق المفاهيم النفسية التي درسناها فقد أكثرت من النقد اللاعقلاني، كنت أختلق الخلل اختلاقا حتى اتحدث عنه، تبادلت الصراخ ووالديّ كثيرا، لم أكن تلك الابنة المثالية ذلك الحين فتهيأ لوالدي يومها أنهما أفرطا في "تدليلي" وها هما اليوم يدفعان الثمن، أيضا اهتممت بالشلة وصديقاتي كثيرا، اذا ما نظرت الى هذا الاهتمام الآن وجدته مبالغا به، وأؤرخ مرحلة الانتهاء من فترة المراهقة يوم أن انفصلت عن صديقاتي المقربات بصورة مفاجئة ومن دون اية أسباب منطقية فخلقت لديهن شعورا بالامتعاض، أيضا في تلك الفترة (أثناء المراهقة) لم أعد أشبه نفسي التي كنت، وصارت اهتماماتي تختلف عما اعتدت عليه وصارت صغيرة وأحاول جاهدة التستر على الكبيرة منها أمام زملائي في المدرسة لأن الجدية هناك تحتل مكانا دنيئا بين التصنيفات الاجتماعية المراهقة. دخلت الجامعة في تخصص علم النفس وهناك راجعت سنواتي الخالية فوجدت أنها نسبيا سليمة مقارنة بسنوات الآخرين المليئة بتحكم الآباء المفرط في أبنائهم، وصراعاتهم الظاهرة منها والخفية، كنت أشعر بالاستقلالية التي لم تكن في يوم من الأيام مدعى نفور لدى والدي بقدر ما هي محل رضى منه، كان هذا الاستقلال غالي الثمن بعض الشيء لأنك لا بد وأن تشعر بوحشة عاطفية وخصوصا في بداياتك الجامعية ولكني مع الوقت اعتدت عليها واليوم بت أنظر اليها ايجابيا.

أثناء استراحتي لعام في البيت قبل خوض غمار الأروقة الجامعية بدأت استعيد نفسي مبتعدة عن الحياة الاجتماعية الزاخرة وصرت أشعر بصورة جلية بعودتي الى ميساء التي صنعها والدي يوما ما في مخيلته، ومن حكمة الله يومها أن من الله علي بنعمة اسمها "منتديات اقرأ" فهناك وجدت من ترتقي اهتماماتهم الى مستوى اهتماماتي ، وجدت من يهتمون لأمر الأمة والآخر والمجتمع ،كل ما ترعرت عليه ولكني افتقدته في الأصحاب.. كان والدي لا يجالسنا مرة الا وكانت مواضيعه تلتف حول هذه الدائرة التي صممها لأولاده وأرادهم أن يحوموا حولها ، أراد من أبنائه أن يكونوا شركاء في التغيير، في الثورة..!


الجميع كان يتذمر من الفساد لكن الجميع كان يفشل في امتحان التطبيق فشلا مبينا، ومن أراد النجاح فعليه أن يمر أمتحانا قاسيا لم يجربه من قبل، ويدفع الثمن بل وربما يدفع الآخرين من حوله الثمن رغما عنهم، ولكنها طريق الحرية .. تحرير الأجيال لا أفرادا متقطعين وارادات يتيمة، في هذا الامتحان أصر والدي أن ننجح دون غيره.


لا أريد أن أجعل من أبي المتوفى صنما نعبده من دون الله، ولكن أبي برز في صفات عدة يتفق عليها جميع من تعامل معه وعاش واياه، كان أهمها زهده عن مظاهر الحياة فلم يسمح لنفسه في يوم من الأيام خوض غمار منافسات المظاهر والتكالب على الأسماء الرنانة أو الفخفخات المفخخة، كان يحب التواضع ويمارسه كأجمل هواياته لأن فيها تحديا للأوهام التي يحلم بها بقية الناس. وكذا قسما من أخوتي وأنا منهم ، تشربنا هذه الصفات ، وقد تعززت لدي شخصيا عندما خالطت المجتمع اليهودي المثقف في الجامعة، وها أنا اليوم في ألمانيا أستغرب اهتمامهم الزائد في أناقتهم .

لهذا لا زلت الى يومي هذا أتعجب من أولئك الذين يمنحون مظهرهم وقتا من العناية ، وان صارت عادة من عادات الانسان فلا أتقبلها ان تكون وسواسا كما رأيت الامر عند كثيرين من حولي، حولي الذين لم أتدخل في يوم من الأيام في خياراتهم ومنها تضييع أوقاتهم في هكذا أمور ولم أحاول أبدا أن أفرض عليهم ما تبنوه لأنفسهم كأسلوب حياة.. ولكن عجبي كل عجبي من أولئك الذين لا يقدّرون بنيتي التي أرسخ عليها منذ سنواتي الأولى في هذه الحياة، ولا أقول بنية عبثا انما لأعبر عن أمر مركب في ذاتي تركيبا وصار جزءا من أنفاسي التي أتلفظ ، فلم يفرض الاخرون بنيتهم على غيرهم؟؟


كان أبي لو ظل حيا (ولا نقول سوى قدر الله وما شاء فعل) الضمان الوحيد لحريتي التي تم سلبها يوم زفافي وما قبل أيام منه في التحضير له.. وارادتي التي بناها هو بنفسه ووضع فيها الغالي والثمين كي ينحتها وفق ما خرجت عليه، وفي الوقت نفسه أحمد الله حمدا كثيرا على تلك "الثقة" وهو السلاح الفتاك الذي سلمني اياه كي أواجه السهام من حولي ولا آبه لها.

سأكتب لكم في تدويناتي التالية بالتفصيل عن تجربتي الفريدة والتفاعلات الاجتماعية التي عشتها من أجل الزواج.. أريد منها تسليم أمانة هذه التجربة الى آخرين كي يكونوا على دراية ويعوا المواجهة بصورة أفضل من التي لدي.. وكذلك هي تهمة الى آخرين سلبوني قيم أردت التمتع بالعيش تحت كنفها وفرضوا علي قيمهم الخاصة بل العامة لأنها كلها مبنية على صنم وهمي اسمه "النــــــاس"ّ!

23 سبتمبر, 2009

عقد قران ومن ثم زواج

توكلنا على الله (:

أعود اليكم بقراءاتي لهذه التجربة

07 سبتمبر, 2009

خواطر عن خواطر

كثيرون التفتوا الى تميز حلقة خواطر لهذا العام والتي يقوم فيها الشقيري برحلة الى ما أسماه كوكب اليابان في اشارة منه الى الهوة الهائلة بين المجتمع العربي والاسلامي والمجتمع الياباني من حيث ثقافة القيم. اليابان بلد لم يثر فضولي في السابق كما هو الآن وذلك لتزامن الحلقة هذا العام مع دراستي لمساق يتحدث فيه عن تاريخ اليابان باسهاب ويتطرق اليه حتى القرن التاسع عشر، عندها فقط أصابني فضول شديد الى معرفة المزيد بعد تخلصي من الغموض المخيف ربما تجاه هؤلاء الناس .
ومن ثم علق كثيرون على ما يرد فيه وكان من ضمن ما ورد في تعليقهم هو قضية الانتحار في اليابان ، التي تشكل أرقاما مرتفعة . بحثت عن الموضوع كي أعرف نسبة الأرقام بين الدول فوجدت انها تحتل المرتبة الثانية ضمن مجموعة الثمانية مع الكثير من الأرقام التي تؤكد ارتفاعها فعلا.
لم يصعب علي كثيرا ترجيح أسباب هذه الظاهرة بعد دراستي المتبحرة لهم على الأقل من الناحية التاريخية والثقافية ، وفي الحال استرجعت ورود قضية الانتحار الكثير والنظر اليها بصورة ايجابية غير التي لدينا مثلا كالتحريم القطعي لها في الاسلام.
كان أولها في معركة جمباي Gempei war والتي تنازعت فيه عائلتين مقربتين من عائلة القيصر لديهم على خليفته فنشب نزاع مدته تقرب الأربعين عاما كان آخرها عام 1885 عندما هزمت عائلة تايرا taira من كيوتو (بلد القيصر) وقد فرت ومعها الوريث انتوكو antoku ووفق الرواية التاريخية فقد فضلوا الانتحار عبر الغرق في البحر على الوقوع في براثن العدو فقفز الوريث ابن الخمسة أعوام وجدته في البحر. وان ما ميز حوادث الانتحار لدى اليابانيين ليس انتهائها بانتهاء الحدث وانما كتبت الروايات من بعدها تمجد الفريق المنتحر والمهزوم وتظهره بصورة بطولية.
كان المجتمع الياباني بعد انتقاله من فترة الحرب المستديمة في القرني الرابع عشر والخامس عشر ، الى فترة الاتحاد في القرن السادس عشر أي ما بات يعرف بعهد ايدو edo وهو المدينة المركزية آنذاك والمعروفة اليوم باسم العاصمة توكيو tokyo، كان مقسما الى طبقات اجتماعية أعلاها هم المحاربون samurai warriors والذين كانوا في غالبيتهم يعيشون في مدينة ايدو وكانوا يتمتعون بصلاحيات تسمح لهم استغلال الطبقات التي تليهم ومنها طبقة الفلاحين والتي تليهم مباشرة، فكان أن حدث مرة وقام احد المحاربين باهانة كبير من الفلاحين ولم يقبل السكوت عنها  فقام المحارب بقتله، فتعهد عاملو الفلاح احضار رأس المحارب الى قبر سيدهم وهذا ما فعلوه ، فأصدر الملكية عليهم حكما بالانتحار والبالغ عددهم 47 فردا، وفيهم أيضا كتبت رواية مشهورة chushingurs - 47 ronin تمجد هؤلاء المنتحرين.
وهناك الكثير من الحالات التي كان فيها المهزومون يرمون بأنفسهم الى التهلكة على الوقوع في الأسر من القياصرة وكبار المحاربين الذين ورد في التعليمات الموجهة (البوشيدو bushido) اليهم تعظيم قيمة الاخلاص للسيد لدرجة كانوا فيها ينتحرون بعد موت سيدهم بادعاء مرافقته في موته، قيمة أخرى عظمت من الموت بنظر المحاربين باعتبارها طريق المحارب وأنها المفضلة بالنسبة اليه اذا ما خير بين الحياة والموت..الخ.
بالاضافة الى الروايات فان المسرح في القرن الثامن عشر كان مفتوحا لقصص الانتحار والتي كان أشهرها "انتحار حبيبين في سونزاكي" والتي تتحدث عن هروب الحبيبين وانتحارهما بعدما فرقت العواقب الاجتماعية والسياسية .. بين زواجهما. وقد حصل ان انتشرت ظاهرة انتحار الحبيبين معا الأمر الذي اضطر السلطات الى منع تمثيل هذه المشاهد..!!
بالامكان اذا استيحاء شيئا من هذه الأسباب وربما لو قارناها مع ثقافتنا لوجدنا ضحالة من هذه النوعية وان كان مجرد تخمين بحاجة الى بحث أكبر.. ولكني فعلا أترك تساؤلا جانبيا على اثر هذه المناقشة يراودني بخصوص تأثير الروايات والمسرح والأفلام وما شابهها على تصرف الانسان ومنها الى الحد من حرية الكتابة والتعبير، فقد قرأت مرة كتابا كاملا يتحدث عن منع النشر متي وكيف ولماذا، وهل رواية وثقافة الجنس تسول لقارئها الى ارتكاب الأمر فعلا، أم أنها تظل في حدود الأحرف؟؟ لست هنا لكي أجيب بالنيابة عن أبحاث كثيرة من واجبنا اجراءها وأحيانا كثيرة نلجأ الى التحريم والمنع كي نريح أنفسنا بحجة الابتعاد عن اماكن الشبهة، الأمر الذي يجرنا الى تقييد الحرية بشكل مبالغ به ..!
لا شك أن الانتحار في اليابان هو جزء من الثقافة المترتبة عن تاريخهم ،وفي ديانتي البوذية والشينتو لم أصادف ما يتعلق بقضية الانتحار نهائيا أي أن الموقف ليس حازما كما هو في ديانة الاسلام وهو التحريم.

سيرتي الالكترونية..جديد..جديد..