بعد احتلال فلسطين في عام 48 وقتل ما قتل وتهجير ما هجر، بقي في الأرض الفلسطينية داخل ما يعرف اليوم "الخط الأخضر" وعلى الرغم من تلاشيه في الهواء، ما يقرب الربع مليون فلسطيني والذين أصبح تعدادهم يبلغ في هذه الايام المليون والربع بالتقريب. ما ان وضعت الحرب أوزارها حتى أثقلت المخاوف من بقي من الفلسطينيين على اثر عمليات القتل الجماعية والحرب قبل اعلان دولة اسرائيل والتي كانت تهدف الى ارساء بعض من رسائل التخويف فتحطم فيهم ملكات الثورة من جديد والمطالبة بالوطن السليب ثانية..
خاف أجدادي وجداتي بالفعل وتَوَجهن كثير منهم فترة الحكم العسكري في خمسينيات وستينيات القرن الماضي الى وجوه الدولة الرسمية جزاري أخوتهم ومشرديهم وبما عرف ب"العرفيم طوفيم"، ولم يتبدد هذا الخوف حتى يومهم هذا فقد عينوا جزارا في وعيهم قد يخرج اليهم في أي لحظة، وأظن أن كثيرا ممن سعوا الى توثيق رواية النكبة الشفاهية مباشرة من حكايات أجدادنا قد وجدوا صعوبة جمة في اقناعهم بالقبول بالحديث عن قصتهم أمام آلة التصوير أو مسجل صوتي أيّا كان. هذا على الرغم من أنه حدث تجدد في الوعي على مدار السنوات تحديدا في أواخر السبعينات في أحداث يوم الأرض وعلى مدار الأجيال لكن أبدا رفضوا أن يحتلنوا أنفسهم وظلت فلاشات القتل والتشريد هي الطاغية في ذاكرتهم.
يفهم المرء خوف أجدادنا المباشر بعد أن رأوا الموت بأعينهم ونجوا مما لم ينج منه كثيرون غيرهم، وظل القاتل ضاغطا على زناده قد يطلق رصاصة القتل في أي لحظة في شريط ذاكرتهم.
يحاول المرء تفهم خوف الجيل الثاني للنكبة على الرغم من صعوبة تقبله، فقد عايش فترة يوم الأرض وتعلم قسم كبير منهم في الكليات والجامعات وقسم منهم من مارس السياسة في شبابه ولا يزال يعيش ثورة الصحف الحزبية ذات الخطاب الوطني المنتمي نوعا ما للقضية للفلسطينية، وحالفه الحظ أيضا في لحاق عصر الجزيرة ومعايشة الأحداث اليومية للحروبات الدامية على أبناء الشعب الفلسطيني في الجانب الآخر. فعلى الرغم من كل هذا الا أنهم يصرون على تنصيب ذلك القاتل الضاغط على الزناد في وعيهم، ويتجنبون الحديث في السياسة ويجبرون أولادهم على تنصيب القاتل الضاغط على الزناد في شريط الذاكرة مع أنهم لم يروه أبدا، والاستجابة الفورية لقصص شباب سجنوا ظلما هنا أو هنالك على شاكلة دروس وعبر، أو اشاعات مغرضة ذكية يطلقها الشاباك بخصوص الجواسيس المنتشرين في الهواء، ويصير اعتقادا قطعيا دون مبرر.
أنا فتاة ممن يعتبرون من الجيل الثالث للنكبة وفق المسميات الرسمية، لم أعش يوم الأرض ولكن عرفت عنه كثيرا تماما كما عرفت عن النكبة أو قل ما يكفي لأن أضع القاتل الضاغط على الزناد في وعيي لكني لم أفلح، ووصلتني كل قصص الاعتقالات والتحقيقات، والمطارية منها وحيلة اشاعة الجواسيس، لكني مارست السياسة ودافعت عن فلسطين والاسلام متى سنحت لي الفرصة وأهاجم ظلم المؤسسة الاسرائيلية وأي ظلم آخر من خلال مدونتي المتواضعة.. قد تكون صدفة أني فلت من مخالب تحقيق أو حبس أو.. فليس علي الركون ... أو ربما التزمت الحدود المرسومة من حرية التعبير الغير مفهومة..
حبس؟؟ تحقيق؟؟ حدود مرسومة؟؟ ولكنك لم تفعلي شيئا؟؟ ماذا فعلت حتى تظني أنك من الناجين صدفة من مخالب التحقيقات أو ما شابهها؟؟ هذه أسئلة سيطرحها الجيل الثالث ولكن ليس كله بالتأكيد، الجيل الثالث الذي مارس السياسة في الجامعات الاسرائيلية تحديدا وليس في غيرها، وانتمى أو اطلع على الصحف الحزبية بخطابها الوطني الذي لم ينأ في يوم عن مهاجمة ظلم المؤسسة الاسرائيلية واعتداءاتها أيا كانت.. أصبح محتلنا بل معايشا حتى دون وعي منه للحرية السياسية التي نعيش بين ظهرانيها (ولا أمتدح هنا المؤسسة بقدر ما أمتدح النضال المتراكم لقيادات الجماهير العربية في توسيع هذه الحرية) وان لم تخل من الظلم أو "الدروس والعبر" بين الفينة والأخرى، مما يشعر المرء بعدم الأمان، فالقانون ليس موضوعيا كما نتصور وليس متوقعا بل هو مزاجيا مستجيبا لرغبات من سنّوه في سنوات خلت، وليس هناك من يحميك بعد..
لكن هذه ليست كل الأسئلة، والدليل أو الخيبة التي أصابتني هي يوم عودتي للبلاد قبل شهرين، وكثير من أقاربي ومعارفي يتابعون مدونتي ذات التصريحات "البريئة" مقارنة بالتصريحات اليومية التي بلغها أهلنا في الداخل، مما يدلل على عدم الاطلاع عليها والغيبوبة التي يعيشون، كثير منهم رددوا السؤال: مغلبكش بالمطار؟؟ معمللكش مشاكل؟؟ نفيت طبعا في اجابتي.. لم أفهم مباشرة هذه الأسئلة في البداية وظننتها طبيعية، ولكن تكرارها حتم علي الربط بين مدونتي واعتقالات العبر.. وتوقع الناس بأني سأتبهدل على اثر تفوهاتي وسأدفع الثمن لبلاهاتي ولساني الطويل وأني لا أسمع الكلام وأتجنب الحكي اللي ملوش طعمة..ولا بقدم ولا بأخر.. الخ. الواحد يتعلم ويشتغل ويدير باله على حاله وبيته وخلص..
من المشاهد التي رأيتها أو سمعت عنها مؤخرا وقد لا يكون القياس موضوعيا بمجرد الاعتماد عليها، ولكنها الصورة الراجحة لدي فان الغالبية من الجيل الثالث (وقد اسمح لنفسي باستثناء شديد اللهجة لطلاب الجامعات الاسرائيلية خصوصا طلاب كليات العلوم الاجتماعية والانسانية وبالطبع القانون) قد اختار الانصياع لتوصيات الأهل والسماح لهم بالصاق صورة القاتل الضاغط على الزناد في شريط ذاكرتهم، هذا على الرغم من كل المثيرات الاعلامية المميزة (الحقائق المقدمة على طبق من ذهب) التي جعلتهم يعيشون المعاناة لحظة بلحظة لكن عبثا ينتصر على اللحظات ذلك القاتل المتوحش، القاتل الوهمي..
لا زال يتعلم الجيل الثالث السكوت باتقان ويفضل الصمت على الحديث البريء حتى، مما يجعلني أفهم الكثير من المواقف الجديدة التي صادفتها كثيرا في بلاد الجيرمان. هي مواقف صادمة في حقيقة الأمر. تجلس الى جانب مسلمين من كل أنحاء الدنيا ممن لا يتحدثون العربية ولا يفهمونها، يسألونك من أي بلد أنت فأجيبهم بكل بساطة "من فلسطين" أو "بليستينا" في الألمانية فيستفهم منك قائلا "باكستان؟" ومنهم "برشتينا؟" وهي بلد ألبانية.. تكرر "فلسطين" مرفقا اياها ب"يروزالم" أي القدس.. حتى يجيبوك "اها تقصدين اسرائيل" لم أعجب من كل من يفهم قصدي على انه اسرائيل الا من المسلمين المحسوبين على أمة المليار ولا يفهمون قصة فلسطين ولم يسمعوا بها بقدر ما سمعوا باسرائيل.. هذه المواقف المفاجئة لا بد لها أن تزداد حدة مع نسبة فلسطينيي الداخل المركزة في ألمانيا للدراسة عدا عن الفلسطينيين عموما والمسلمين العرب الذين يعجزون عن القيام بدورهم البسيط وهو التعريف بهذا البلد ومعاناته..
وتحاول اقناع الفلسطينيين عبثا التجرؤ على الافصاح بحقهم في التعبير عن الدولة التي ينتمون لها، الآ أن الضابط الضاغط على الزناد يقف دون حراك في شريط الذاكرة الفردي والجماعي.. أحيانا تشعر أن ذلك وصل حدا جنونيا فلا يفصح الانسان حتى عن مشاعره البريئة شاكا أن لها علاقة بالسياسة، السكوت بكل الأحوال هو الأسلم.. مما يودي بك الى الشعور أنه مجتمع مريض بأفراد مرضى، فقد يكون الخوف طبيعيا لكن عندما يصل حدا مبالغا فيه يعني أنه صار مرضا.
قد أصف هذا المرض الجمعي بالسكيزوفرينيا ( schizophreniaأو تسمياتها المشابهة المتعددة) أي انفصام الشخصية ، وهو مرض يجد فيه الشخص صعوبة في الربط بين الأفكار الحقيقية (أو دعونا نقول في سياقنا هذا "الحقائق") وبين المشاعر المتعلقة بهذه الأفكار، فيقع تحت مشكلة التحجيم بحيث لا يمنح المشكلة حجمها الطبيعي المترتب عنها.. يعاني في كثير من الأحيان من مشاعر مبالغ فيها غير واقعية تصل حد ما يسمى بال- "هلوسات" (hallusinations). هنا يمكنني أن أصف ذلك الضابط الضاغط على الزناد الواقف في مخيلة الجيل الثالث ولن أقول في ذاكرتهم لأنهم لم يروه أبدا، بهلوسة الجيل الثالث، فحقيقة الضابط في الماضي غير حقيقته في هذه الأيام وعلى الرغم من ذلك تناقلت الأجيال نفس الصورة، فهول الجيل الثالث منه على الرغم من أنه لم يعد موجودا أصلا وبذلك فقد صار تحجيما مغلوطا، وصار هذا الجيل يهلوس بأشياء غير موجودة في غالب الأحيان، يخاف من أي شيء، ويحسب ألف حساب لأي كلمة تصدر عنه بصورة جنونية ..



0 التعليقات:
إرسال تعليق
أنعشوا المدونة بتعقيباتكم