رضوى عاشور تهدي رائعتها في أول صفحاتها الى ابنها "تميم البرغوثي" الذي كان أساسا طريقنا اليها. في الحقيقة تساءلت كثيرا وأثناء تقليبي صفحات الرواية من ذا الذي كان سيكفل لي الوصول الى اسم الروائية رضوى دون شعر ابنها المتألق. لأن الفضول يأخذك دون أن تدري لخلفيات وخلطات صناعة شاعر رائع كهذا، فتعرف أن منها والدته رضوى، وآخر من الكاتب والشاعر مريد البرغوثي. مريد البرغوثي الذي قرأت له من أربع سنوات مضت "رأيت رام الله"، لكنني اليوم أسعى لقراءتها مجددا علّي فهمت شيئا جديدا وبعدا آخرا في تلك الخلطة. فلربما نجحنا في الوصول الى "تركيبة سحرية" لشعر سحري آخر كالذي يخرج من فيه تميم.
مضى وقت طويل على قراءتي الأدب الذي جعلت أقرؤه دائما أيام المدرسة، وقد ظننت يومها أن المطالعة الخارجية تعني رواية وأدب وحسب، ولم يصادفني عنوان جذاب لكتاب فكري، أو على الأقل أستاذ في المدرسة يروج لكتب فكرية كما كان ترويج أستاذ العربية للقصص والروايات. ثم انكشفت بعدها على عناوين فكرية تثير الفضول أيام الجامعة غرقت في صفحاتها الى يومنا هذا، حتى تاقت نفسي العودة الى تذوق الأدب فكانت البداية مع رواية "ثلاثية غرناطة".
أحب دائما عندما أقرأ الروايات أن أنكشف على لون جديد مختلف عن البقية، فكان ذلك فعلا. رواية "ثلاثية غرناطة" كانت مزجا مميزا بين التاريخ وبين حكاية شخصية تلمس مشاعرك وتؤلف بينك وبينها خيوطا وثيقة من العلاقات. تقترب من الأشخاص وتفاصيلهم ومع ذلك تظل عينة ممثلة لحكايات كثيرين آنذاك. اذا هي شخصية خاصة وعامة في الوقت ذاته.
تحكي فيها رضوى عن بداية التراجع الاسلامي في الأندلس وتسرد كيف اختلطت الأمور على المسلمين هناك مع الأحداث التي يتمكن فيها القشتاليون منهم على مدار خمس أجيال من أواخر القرن الخامس عشر حتى بدايات القرن السابع عشر.
كان من الطبيعي أن يعيش كبار السن من المخضرمين تلك الصدمة وذلك النقاش المرفوض بالنسبة لهم أصلا حول التسليم من عدمه، والمتسرب الى أسماعهم خصوصا في الملتقيات الشعبية أبرزها الحمامات من الأجيال الشابة اليائسة نوعا ما، فيموتون حزنا على أيام منتصرة خلت قاضين آخر أيامهم سعيا في تحقيق شيئا من أحلام الأيام المستقرة كأن يصر أبو جعفر على تعليم حفيديه ويرى في سليمة عالمة أخرى من عالمات قرطبة. في المقابل يبدأ الجيل الصغير يدبر أموره في التعامل مع المراسيم المتلاحقة في مسيرة التضييق، أهمها كان التضييق على الهوية العربية، وذلك من خلال حرق الكتب أمام سعي أهل غرناطة في اخفائها. فيعلم الأهل أبناءهم العربية والتحدث بها، ويطلبون منهم أن لا يفعلوها خارج البيت ويكتفوا في تحدث القشتالية لأن العربية ستودي بهم وبأهليهم الى عقوبات ومحاكم لا يعلم عقباها أحد. يتوالى ذلك ويبلغ أوجه في اجبار أهل غرناطة على التنصر، وأخذهم عنوة الى الكنيسة وتعميدهم، لتبدأ مرحلة أخفاء معالم الهوية الاسلامية، فصار الناس يخفون مراسيم تطهير الرضع الجدد، ويصلون على الميت صلاتان، أحدها في البيت وأخرى في الكنيسة، وأيضا نزع الزي الاسلامي الخاص بالنساء، والأعراس ومنع الناس من انشاد المدائح النبوية فيها ..الخ.
برزت في القصة شخصية "مريمة" وهي زوجة حفيد أبي جعفر، التي ظلت متمسكة بالهوية العربية، مقابل زوجها الذي كان يخشى كل شيء الى أن يصل به الأمر الى مجافاة أقاربه ويرفض أيوائهم تجنبا للشبهات فقضى حياته متوجسا. وتجلت شخصية مريمة بالحركات الذكية والالتفافية وانقاذ كثير من أبناء الحارة وبناتها من مواقف كانت ستودي بهم جميعا الى المحاكم. أحبت غرناطة ورفضت مغادرتها على الرغم من كل أسباب الهجرة، الى أن جاء مرسوم طرد العرب من اسبانيا على السواء في العقد الأول من بداية القرن السابع عشر. فجاءتها المنية في طريقهم المهاجرة وهي محمولة على ظهر حفيدها علي.
علي كان أيضا حفيد "سليمة" وهي من الشخصيات البارزة الأخرى التي تفاجئك رضوى في واقعية روايتها وتراجيديتها، فتموت بعد أن جعلت القارئ متعلقا بها ويتتبع فضولها العلمي الى أين سيصل، مع انتهاء الفصل الأول من الرواية فقط من أصل ثلاث فصول، وذلك بعد أن حكمت عليها الكنيسة بالاعدام حرقا على اثر تهمة "ممارسة السحر"، لأنها تقرأ الكتب وتحاول أن تعد خلطات من الأعشاب تداوي بها الناس.
من المفارقات المحزنة التي آلمتني في الرواية هي سعي سليمة الحثيث في تجميع الكتب بأي ثمن واخفائها، مقابل حفيدها الوحيد "علي" الذي أعد له جده مفاجأة اطلاعه على المخبأ السري لتلك الكتب، ظنا منه أنه سيسعد بها الا أن عليا لم يلق لها بالا وجعل يتساءل ألهذا جمعني جدي؟! فتشعر أن هناك تناغما بين تخلي الجيل الجديد عن العلم وعدم تقديره والهزيمة الموعودة التي نالها جيل الأندلس هناك.
عرف العرب في الأندلس والذين لوحقت هويتهم العربية والاسلامية في الأندلس باسم الموريسكيون، تجدون تفاصيلهم على رابط الويكبيديا هنا
أترك لكم باقي تفاصيل الرواية تقرؤونها بأنفسكم.


respected madam
ردحذفwhat is commet on No banks were not giving loans for students without surity for thier educetion .
ramesh kamuni
mobile:+91 92460 87265
هذه هي مدونتي ارجو التواصل لتبادل الخبرات
ردحذفwww.ectemarketing.blogspot.com
جميل يا ميساء..هكذا تشجعين الناس على القراءة وهي طريقةعمليةومباشرةأفضل بكثير من الحديث عن "أهمية القراءة" واختيارك موفق ..
ردحذفعرضك للرواية أعادني إلى أيام جميلة ..وأنا مثلك فتميم هو من قادني لرضوى:)وأنصحك بقراءة الجزء الثاني أو المتمم ل"رأيت رام الله" وهو "ولدت هنا ولدت هناك" رحلة تميم مع والده إلى فلسطين،أجمل وأعمق من "رأيت رام الله" وسأرسل لك تجربتي الخاصة مع الكتابين إن شئت.
وملاحظة أخيرة:أعتقد أن رضوى عاشور قصدت بروايتها فلسطين أكثر مما قصدت الأندلس..فكان تاريخ الأندلس وخيار المقاومة والتمسك بالأرض وعدم الهجرة أوالهرب لمسلمي الأندلس كأنهاتتوجه به لنا وللواقع الفلسطيني وتذكرنا أن لا نكرر أخطاء أجدادنا في الأندلس كي لا تضيع فلسطين..فنقاوم ونبقى هل شعرت بذلك؟