13 يونيو, 2011

من الماضي البعيد الى حديث الساعة


كانت القدس في مخيلتي شيئا عظيما، عزفته تغاريد أسماء كثيرة لحنها عذب يطرب المسامع، كان أولاها "شارع صلاح الدين". لم تكن قصيدة "في القدس" للشاعر تميم البرغوثي قد نشدت بعد. فاخترتها محطة علمية مقبلة في أواخر عقدي الثاني، فلربما لامس وجنتي شيئا من مكانتها الثقافية المفترضة، وأكرمتني برفوف مكاتبها أتصفح وريقاتها مطلة على "قبتها الذهبية". كنت أبحث دائما عن عناوين الكتب الكبيرة في مكاتبنا في فلسطين المحتلة دون أن أعثر عليها، كنا نضطر للسفر بعيدا، أو ننتظر ابن البلد حين عودته من مصر أو الأردن محملا بشيء منها.
أشاروا علي بأسماء المكتبات: "الصدقات"، "مكتبة سوق العتم".. فكان مني أن غمرت نفسي بالوقوف بين مدرجاتها. بعد فترة وجيزة عندما كبرت قليلا صابني شعور مفاجئ بالاستكبار، ولاحقتني أنات ضميري في سؤالها عن عزوفي المبهم عن حلمي الذي صار بين يدي.
لكنها في الحقيقة كانت هي الخيبة. تجلّى بارقها عندما عمدت على انهاء مشروع تخرجي الذي خاض في مسألة من مسائل "التدوين". جعلتني الكتب العربية من "بستان الواعظين ورياض السامعين"، "روضة المحبين ونزهة المشتاقين"، "أمراض القلوب وشفاؤها"، "مائة سؤال عن الاسلام"، أشعر أني أعيش في الماضي، وأحاول دون جدوى فهم الماضي بالحاضر. وقد بدت عورة الكتب المنثورة وبكرم من على رفوف المكتبات العربية، عندما تساءلت عن امكانية صدور كتاب فيه آخر الأبحاث المتعلقة ب"التدوين" مثلا لا حصرا. أسلمت وجهي بسرعة صوب الكتب العجمية. في مقابل كثير من أصدقائي الذين أحضروا الماضي من أنفه وأرغموه في تراب الحاضر الكيماوي.
انتقلت الى ألمانيا فبغتني صدور عشرات الكتب في قضية واحدة لم نسمع عنها في الأخبار سوى من أسابيع وأشهر مضت. ورفوف تسمت بعنوان "حديث الساعة". وفي حال لم تحو محفظتي ما يكفي من المال لاقتنائها، أعرج على كشك المؤلفات المباعة بنصف السعر أو أقل، في حملة تخفيضات للتخلص مما تبقى في المخازن. تكون هذه الكتب عادة قديمة، وقديمة بالمفهوم الألماني، هي التي نشرت لأول مرة منذ عامين أو ثلاثة على الأكثر!!
"أسانغ: الرجل الذي غير العالم"، "الوقت الذي قضيته بين ثنايا أخطر موقع في العالم"، "ويكيليكس: عدو الدولة الأول"، "ويكليكس وتبعاته"، كانت هذه كلها عناوين في مسألة حديثة واحدة، هذا غير تلك التي تحاول فهم السيد جوجل والآنسة فيسبوك في أبعادها التقنية والنفسية والاجتماعية لحظة بلحظة. و"الربيع العربي" هل تعتقدون مثلا أنه غاب عن مكتباتهم، ذلك الربيع الذي لم يزهر بعد قد كتب فيه وزين اسمه رفوف "حديث الساعة" أيضا.

2 التعليقات:

  1. هلا انعاش
    شكرا لانعاشك قضية الكتب والانتاج المعرفي باللغة العربية التي فعلا تحتاج الى انعاش
    على فكرة في مكتبة الصدقات هناك بعض الكتب الجديدة حول العلاقات الزوجية والخطوبة!! يعني مش تحفة العروس وبس!!
    وايضا هناك بعض المحاضرات الصوتية التي دونت في كتب!
    وغيره.. كيفك يا حلو؟

    ردحذف
  2. ابعثيلي رقمك عالجيميل، لحتى أتصل عليك خلال هاليومين..

    صحيح، هذه قضية أخرى، قضية الكتب الجديدة التي تخوض غالبا تلك المواضيع، سأتحدث عنها في سياق آخر

    ردحذف

أنعشوا المدونة بتعقيباتكم