09 نوفمبر, 2011

من أجل اعلام أكثر انسانية


الشهيد غياث مطر عن الثورة السوريةا

من يقلب صفحات الفيسبوك بصورة يومية سيعهد النقاشات الرئيسية التي تدور هناك على اثر كل طارئ في العالم العربي في الآونة الآخيرة. وفي كل مرة تجد فيها الآراء "تتصارع" من كل حدب وصوب كما حدث في قضايا أمثال "تقييم صفقة الأسرى" و"مقتل معمر القذافي"، ينادي على اثرها الكثير من الشباب بأن على "حكماء الأمة" أن يصوبوا البوصلة، ظانين منهم أن هذا سيكون أفضل بكثير من "تدافع" الآراء التي على اثرها تحرق بوصلة المتابع العادي للأحداث، فيقرر بأن ينأى بنفسه في نهاية المطاف عن "الشوشرة"  ويعلن أخيرا عن موقفه الأكثر سلامة للخروج من المآزق التي تحتم عليه التفكير اليومي ويتخذ "اللامبالاة" موقفا.


بعد العثور على القذافي ينزف جريحا ومن ثم أخذ أحد الثوار على عاتقه " الانتقام" أو "القصاص"  لأكثر من خمسين ألف ليبي، دون أن يمهله حتى محاكمة عادلة، معجلا بأمره لقاضي السماء، أبدى جزء كبير من الشباب اعتراضهم على الاستعجال بقتله وأن الروح "الثأرية" قد غلبت، فيما نحن بصدد بناء ليبيا العدل المنزوعة من روح الثأر الغالب على أمرها التسامح. فيما أتساءل أنا وكثيرون آخرون مالذي جعل هؤلاء ينسون أعداد الشهداء الذين رَحِّلوا عن دنيانا قصرا في تهافت غفير على مدار أشهر مقابل أن يبقى ذلك الرجل في سدة الحكم. ماذا عن آلاف من اليتامى والأرامل والثكالى الذين سيظلون يجترون آلامهم ويدفعون ثمنها لعشرات السنوات القادمة.

واني لا أرى بهذا الحدث أقل تطابقا في عنصر اعلامي مهم سأخلص اليه لاحقا، يدعو الى اعلام أكثر انسانية منه "عدديا" أو "احصائيا". مع حدث متزامن بعض الشيء آلا هو "صفقة شاليط". فلا أخفينكم تعاطفي ولو المرفوض على اثر متابعتي للاعلام العبري لشخص شاليط، الذي بدا في غالب الأحيان امرئا وديعا، هزالته لا تسمع لنا باسترجاع زيّه العسكري الذي ذهب ليقاتل به الفلسطينيين في غزة الى صورته الأخيرة التي ظهر عليها. ووقع في الفخ اعلامنا العربي ومنها الجزيرة باطلاق اسمه الشخصي، على صفقة تبادل الأسرى، في خسارة أخرى يسجلها الصهاينة لصالحهم في معركة "الاصطلاح والتسميات". قد يجعل هذا البعض يدّعي أنه لا يعقل أن نسمي الصفقة باسم ألف أسير، ولكن هذا لا يعني أن نسميها باسمه، مما يجعل شخصه، وقميصه في بعض الأحيان، يتصدّر ذاكرتنا عند استجلابه منها. ولا أكشف ما تناقله الكثيرون من على الفيسبوك برغبتهم الجامحة بأنه لو يسلم، أو أن يكون حقا قد فعلها! في محاولة للمصالحة بين كونه "عدو" وكونه "انسان" برز شخصه في التغطية كونه واحدا مقابل آلاف تسابق واياهم على كعكة تعاطفنا الفطري.



أنتقل من هاتين الصورتين الى سوريا، التي لا يزال لون الدم يغلب على تغطية الأخبار لها، ولا يزال بعدها "العددي" أو "الاحصائي" غالبا على شاشات المرناة، الأمر الذي لا يسمح لنا بعد أن ننسى أو نتعاطف بصورة أو بأخرى مع "القاتل" كما حدث في ليبيا وفي الصفقة، هذا "القاتل" بممثله الأبرز "بشار الأسد" والذي عادة ما أتجنب أن أطلق عليه اسمه الفصيح هذا، فيخيّم عليّ تساؤل خفي يعيش في المستقبل الذي يؤكد فكرة انتهائه، هل سيجد هذا الرجل من يدافع عنه من "الانسانيين" كما حصل مع "القذافي" أو أن "أناقته" تجعل بعضا منا يدعي أنه لا يليق به شتى أنواع التعذيب التي أذاقها لأبناء الشعب السوري. وهنا ستكون  اجابتي في حقيقة الأمر مركبة، فلا زالت برأيي التغطية الاخبارية المعهودة في الاستديوهات تتعامل بمنطق "الأعداد" و"الأرقام" بعيدا عن القصة الانسانية لكل شخص وشخص لهم حكاية تعذيب منفردة عن حكاية زميله الآخر في الزنزانة المجاورة، بينما ما تجاوزه بذكاء الثوار السوريون من على صفحات الفيسبوك - وهو ما فشل فيه فيسبوك الليبيين الذي ربما هو بحكم ظروفهم، وما لم يفشل به الاعلام العبري بأن ظل ينقل تفاصيل حياة شاليط لحظة بلحظة، بعد الافراج عنه، مما جعلني في نهاية المطاف أتوقف عن متابعتها.- هي بأن تمكنوا من تجاوز مسألة "الاعداد" الغفيرة من القتلى، وافلحوا بأن يسترسلوا في حكايات كثير من شبابهم الثائر الذي يلقى حتفه يوميا، من خلال افتتاح صفحات لكل شهيد قضى أو آخر اعتقل ما زال ينتظر دون أن يبدل تبديلا. لا أخفينكم يا سادة وبكل صراحة أني لا أحفظ اسم شهيد ليبي واحد، ولا اسم أسير فلسطيني واحد الا فيما ندر، بينما ها أنا أحفظ أسماء شهداء سوريا عن ظهر قلب بصورهم وبابتساماتهم المشعة، والتي برأيي ستكون كفيلة بما يكفي حتى لا ينسى أحد لبشار أو يغفر، أو أن يُستنهض مجددا جنود أخفياء آخرون من "الانسانيين".



ان على اعلامنا أن يتعامل بصورة أكثر احتراما واجلالا لأناس دفعوا ثمن حياتهم لكي يحيوا ونحيى، معتبرا من تغطية الشباب السوريين (كتجربة ناجحة برأيي)، أو من تغطية الاعلام الصهيوني. الذي لا زال يقص على أبنائه حكايا ضحايا "الكارثة" بكافة تفصيلاتها من بعد مرور عقود من الزمن عليها، كما أني لا زلت أذكر يوم حرائق الكرمل في العام  الماضي والتي راح ضحيتها عشرات "السجّانين" الصهاينة، سرعان ما افتتحت وسائل الاعلام الصهيونية ملفات شخصية تعلق صورهم، وحكاياهم وحكايا عائلاتهم، ولم يصدّهم عن ذلك أعدادهم الكبيرة. وذلك لربما لدفع المتابعين من الناس التعامل بطريقة أكثر عدلا مع "الضحية" و"الجلاد"، فلا نضع دماء أكثر من خمسين ألف شهيد لا نعلم فيهم اسم واحد في كفة، ونضع قصة مجرم ودمه النازف من على وجنتيه في كفة، فقط لأننا رأينا تسجيلا يبث بعده "الآدمي" الخائف المذعور، فيتهافت علينا "الانسانيون" شفقة ورأفة!

0 التعليقات:

إرسال تعليق

أنعشوا المدونة بتعقيباتكم