منذ نعومة أظفاري وذاكرتي توحي لي بأني كنت أمر من جانب شيء من أحاديث السياسة التي تؤكد على احتراف الظلم في بقعة من بقاع أرض الشام دون غيرها. كانوا يخبروننا أنه من يجرؤ هناك على أن يطأ ساحة "الكلام والرأي" لن تسمع له بعدها خبرا، ولا حتى خبر موته، كانت الناس هناك تختفي، ولا يعلم ذويهم هل هم مختفون الى الأبد، أم أنهم يحتلون قبوا من أقبية الأسد.
أشرقت شمس الربيع العربي، وبدأت الأزهار تكسو البلاد، لكنها علت هوينا هوينا، وكأن أهل البلاد لم يريدوا أن تفوتهم صورة تلتقطها لهم قناة الجزيرة وهم في أبهى حلتهم. لم يكن أحد يصدق أن الشجاعة سترجع الى أهلها يوما، الى أهل الشام، الى أولئك الذين ذاقوا كل صنوف العذابات، حتى صرنا نكذب بعضها لخرافيتها، لكن يبدو أن ذلك النظام أراد لنفسه سوء الخاتمة، وكشف هوايته المفضلة على جموع العالم صوتا وصورة.
سبعة أشهر تمر على سوريا والقتل هناك يومي، بمعدل ثلاثين شهيدا، سبعة أشهر وأخبار الموت تستبق كل خبر آخر في حصاد العاشرة. ظل السوريون طيلة الوقت يسألون "وينكم يا عرب" فيذكرونني بالفلسطينيين، وباستغاثاتهم العبثية. على الرغم من ذلك فان المتابع العادي لا يفقد الأمل، في دنيا الثورات والأمل، ويظل يعتقد خيرا في تحرك الجامعة العربية الأخير، الذي الى الآن منح هذا القاتل ما يقرب الشهر، ولو أن الشهر في عمر السنين قليل، الا أنه في عمر الثورة السورية ثلاثون شهيدا في ثلاثين يوما.
أول ما قررت الجامعة التخلي عن لعب دور النعامة، كانت قد أمهلت النظام السوري خمسة عشر يوما، بعد زيارة بدت حازمة، بخروج وزير الخارجية القطري تحت عبارة "بدون اللف والدوران"، وتزامن ذلك برسائل عالمية، مرة من أردوغان تركيا ومرة أخرى من بان كي مون الأمم المتحدة. رضي السوريون الثوار على مضض بمهلة العربية، باعتبارها الأفق الأخير، وعلى أمل، ونحن في دنيا الثورات والأمل، أن هؤلاء قد قرروا أن يشرفوا الدماء السورية التي سفكت حتى اللحظة، ويهدونها وردة من ورود الحرية بعد طول انتظار.
انتهت المهلة والحال هو الحال، فأطلت علينا الجامعة بمفاجأة "المبادرة"، كان أول ما نصت عليه هو اخراج الجيش من الأحياء المتظاهرة، وأخراج المعتقلين، الأمر الذي جعلنا نظن لوهلة أن النظام السوري قد حانت نهايته بمطلبين مستحيلين، وسرعان ما اتضح أن هذا النظام الكارثي أدهى مما نتخيل، بقبوله المبادرة فيرمي الكرة في الحال الى ملعب المعارضة.
المضحك في الأمر أن المعارضة بدأت تتخانق على حوار النظام من عدمه، متجاوزين شرطين أساسيين من شروط المبادرة اللذين لم ينفذا بعد، فتتراشق الاتهامات، وتبدو لي الجامعة، التي تتهرب من اتخاذ قرار جدي في حق النظام، قد استغلت نزاع المعارضة هي بدورها، وصارت تدعي أن المشكلة تكمن هنا، متغافلة عن أن النظام السوري قد ضرب بنود مبادرتها عرض الحائط، وكلما توجه اليهم مذيع حصادي بالسؤال عن عدم تجاوب النظام، يردون بأنهم غير قادرين على اتخاذ موقف والمعارضة فيها أطراف كل يشد الى جانبه..!!
لن أناقش مدى اندساس "هيئة التنسيق الوطنية" من عدمه، والتي تجاهلت الدماء النازفة في شوارع الوطن، فدخلوا فجأة على الخط ليعضوا بالنواجذ على المبادرة العربية، تخوفا من سيناريوهات أسوأ، في غباء سياسي لم أعهده في حياتي قط، فلا يعقل أن يظل الأستاذ هيثم المناع يرسل ببرقيات "طمأنة" الى النظام لتمسكه ب5 بالمائة من المبادرة حتى لو لم يلتزموا بتنفيذ حرف واحد منها، ولا أفهم على اثر ذلك مالذي يمنعه وشلة التنسيق الوطني من كتم ولعهم بالمبادرة ولو مؤقتا، ولو من باب المناورة، ولو من باب التهديد!!!
المضحك المبكي في الموضوع أن أحدا من قادتنا فيما يظهر عليه شكلها من خلال جامعة الدول العربية، لا يتعامل مع الظروف بشكلها الجديد، بحلتها الربيعية، فلا يزال الانسان لديهم ثمنه بخس، والاستخفاف بدماء الشهداء على ما هو عليه، لدرجة أن الاجتماع "الطارىء" الذي سيعقد اليوم السبت، جاء بعد أكثر من أسبوع من عدم استجابة "الأسد" ونظامه للمبادرة فعليا. وقد عذرهم أحد محللي مركز الدراسات في الأهرام من مصر، بأنه كان أسبوع مليئا بانشغالات العيد والعيدية، وسمح لنفسه أن يقول ذلك بكل جدية، فالمسلم يلتمس لأخيه سبعين عذرا، فما بالكم يا أهلنا بسوريا بانشغالات العيد!!!!
رغم كل ذلك فاننا نجدد أملنا، فنحن في دنيا الأمل والثورات، ونرجو أولا من الله عز وجل أن يصبر أهلنا في سوريا، ونرجو ثانيا من الجامعة العربية في رسالة مفتوحة أن تتحمل ولو مرة واحدة في حياتها، مسؤولية دم امريء يسفك دمه في بلادنا العربية، فلا يصبح كالمستجير بالرمضاء من النار. وبالتالي نطلب منها أن تجمد لنا عضوية هذا النظام الذي لا يشرف في الحقيقة رجلا عربيا واحدا.
التدوينة ارتبطت بيوم السبت بتاريخ 12-11-11، تتحدث عن التوقعات من الاجتماع الطاريء وما سيتمخض عنه من جامعة الدول العربية، ونشر في موقع الجزيرة توك تحت عنوان "أزمة سوريا والجامعة العربية"

0 التعليقات:
إرسال تعليق
أنعشوا المدونة بتعقيباتكم